الاثنين، 8 فبراير 2016

رواية اللعنة (8)


 


دخل أحمد المنزل فلم يجد الحال قد اختلف عما تركه، أمه  تبكي وأخته تهدئ من روعها وأبوه يتصل بكل المستشفيات يسأل عنه، أحمد كان منهكاً بعد أن دار على كل الأقسام التي حول المستشفى وبيته بل و دار حول المستشفى كثيراً لعدة أيام لعله يجد أي خيط يستدل به على أي طريق ولكن بلا جدوى.

قبل أن يجلس دق الباب فتوجه له يجر قدميه كمن يحمل أثقالاً وفتح بابه ليجد الشتيتين سعد وحسن الذين تعارفا من خلاله في الأيام السابقة، حتى الآن لم يبتلع بعد موضوع أن حسن أخاه ولكن انشغاله باختفاء أخيه الحقيقي الصغير منعه من رفض أي مساعدة إضافية.

رمق الأب حسن ثم أغلق الهاتف بعنف ودخل يكمل اتصالاته من غرفة نومه، أحمد كذلك لا يبتلع سلوك والده مع حسن والمفترض  أنه ابنه البكر .. إقترب حسن من الأم وظل يواسيها مع ندى بينما سعد توجه للكرسي الفارغ وجلس عليه. عشرات الأسئلة تطن في ذهن أحمد ولكن لا يملك إجاباتها ولا الجرأة ليسألها لأي أحد الآن .. هناك شيء مخفي فأمه وأخته وأبوه تقبلوا دخول حسن لحياتهم بكل أريحية وكأنه أمر عادي أن يظهر غريب ويعلن إنه قريبهم بدرجة مباشرة .

أحمد ما زال غاضباً من سعد لرحيله وقت اختفاء أخيه بعدما تركه في رعايته وليس في رعاية أبيه كما أن سعد لو غضب من أبيه كان كلم أحمد قبل أن يرحل هكذا.. أليس هو من وصى قبلها أن  يكون متمهلا مع أبيه و أن يتحلى بسعة الصدر، ولكن من يملك الآن في تلك الأزمة العتاب أو الاعتراض على أي شيء ؟

حتى هذا الحسن ذا العيون الباردة كالمحيط يتعامل وكأنه في بيته.  نظر لأمه الباكية وحسن وندى المحيطين بها من الجانبين فوجدهما يؤكدان لها بشكل واثق غريب أن عادل سيعود ولكن عليها التماسك ليحدث ذلك.


شعر أحمد كأن  كل شيء أصابه الجنون فأشار لسعد بعينه تجاه غرفته فتركا الصالة في هدوء ودخلا الغرفة وأغلقا بابها في هدوء لا داعي له لأن لا أحد انتبه لهما.


.................................................

توقف عادل قليلاً عن البكاء بعد أن أتعبه بلا أي جدوى ليستعيد طاقته لكي يواصل البكاء مجدداً بعدها .. كانت يديه مقيدة خلفه وتؤلمه لأنه جالس على الأرض وظهره مستند على أحد الجدران بشكل غير مريح. وكان أيضاً معصوب العينين ولكن ليس مكمما .. جرب أن  ينادي أحداً، يصرخ، يبكي، يتوسل ولكن بلا جدوى فعلم أنه وحده في مكان مجهول مهجور من هذا الصمت المميت من حوله فبكى كثيراً حتى تعب ونام عدة مرات بعد إرهاقه من البكاء المستمر ثم قرر أن يستريح قليلاً من البكاء. وقتها فقط صدمه ما حدث فقد وجد ماصة تُدفع برقة في فمه خاف في الأول فأغلق فمه بشدة ثم سمع بدون صوت امرأة تأمره بالاستجابة بمودة فاستجاب لظمئه وجوعه ووجد أنه يمتص عصير مانجو لذيذ الطعم فشرب الكوب الكبير في دقيقه ثم استجاب للقمات خبز مغموسة في العسل الأبيض شهية فأكلها بلا أي اعتراض حتى شبع فقال في وداعة:
-                     كفاية شبعت.
ثم صمت قليلاً و أكمل كلامه:
-                      انتى مين .. و ازاي أنا سامعك من غير صوت ؟
فشعر بلمسة حانية لجبينه ثم سمع خطوات ترحل فهتف منادياً بلا أي نتيجة، حاول أن  يتملص من الحبال المقيدة يده أو قدمه فلم ينجح فهتف مجدداً :
-                     لو انتي طيبة فكي إيدي، دراعي واجعنى قوي
ولكن لم يسمع أي رد ولا حتى صدى لصوته فيأس وابتسم لشبعه ثم انحنى على جانبه وترك جسده يسقط مجاورا للحائط واستسلم لنوم أحن عليه مما سبقه.

.....................


نظرت الأم لباب غرفة أحمد وتأكدت أنه مغلق ثم استنشقت شهيقاً عميقاً وتوقفت عن البكاء ونظرت لباب غرفة نومها الجالس بها زوجها لتتأكد من أنه مغلق كذلك ثم نظرت لحسن وأمائت له بالجلوس في المقعد بجانب ندى ففعل فقربت رأسها منهما وبدأت تتحدث بشكل هامس فشاركاها الحديث بنفس الشكل.
-       إنتم متأكدين  أنكم هتقدروا ترجعوا عادل ؟
-      ندى:  إنت شاكة فينا يا ماما ؟
-      الأم : لأ ..  بس  انت بقالك كتير ممنوعة.

ثم نظرت لحسن وقالت بشيء من الذنب واللوم الخفي .
-      الأم: وما عرفش حسن وصل لإيه و خايفة انفعاله يئذي حد زى ما حصل لي.
-      حسن: و الله يا ماما دا حصل غصب عني وما حصلش قبل كدا معايا خالص.
-      الأم:  أنا عارفة.
-      ندى: سيبيها علينا بس وعادل هيبقى معانا بس إهدي و اشغلي بابا شوية .
-      الأم: هو ما بيروحشي الشغل ليه صحيح ؟
-      ندى: ما اعرفش يا ماما .. هو مش طايق كلمة من حد أصلاً من يوم ما تعبتِ
-          حسن: هو بابا بيشتغل إيه ؟
-          الأم: هو أنس مقالكش ؟  
-          ندى:  أنس مين ؟
-          حسن: كان  مشغول على طول.
-          الأم: هو عامل إيه ؟
-          ندى:  أنس مين ؟

رن جرس التليفون فأوقفهم عن الكلام و لكن لم يطل الرنين مما نبأهم أن أحمد أو أبوه قد رد من تليفون الغرفة .. صمتا منتظرين أي رد فعل أو باب يُفتح و لكن طال الصمت فعادا للكلام:

-               الأم: طيب فهموني إيه اللي في دماغكم ؟
-               ندى:  أنا هاوصل لمكانه
-               حسن: و أنا هاتعامل مع اللي خطفوه
-               الأم: خد بالك ان أحمد عمل بلاغ والشرطة أكيد هايبقى ليها تخطيطها هي كمان وما ينفعش أي اصطدام معاهم ، انت عارف حساسية موقفك .
-               حسن: فاهم ..  بجد يا ماما انا حزين من اللي عملتيه فيا انتي وعمي ولولا انه حكالي كل حاجة ما كنتش سامحتك ... بس بابا مش هاسامحه أبدا.
-               ندى: هو انا ليا اعمام غير عمتي آمال يا ماما ؟
-               الأم : هاحكيلك بعدين.
-               حسن: انتم ليه مش معرفين أحمد حاجة ؟ 
-               الأم: لا هو ولا عادل، هو نسّيته من زمان وعادل مفهماه انها مش اكتر من ذكاء انه يقرا أفكار اللي حواليه ومانعاه عنها بحجة انه عيب كأنه بيدخل حمام علي حد بس ساعات بيسألني وبألف في حاجات طفولية علشان يقتنع بيها .. أبوك عامل حظر وآديك شايف اللي حصل لك .. لولا إن ندى معايا كنت هاطق .. دا حتى عمتك آمال اتمنعت أزورها.
-               حسن بخبث: هو يقدر يمنعك ؟
-               ابتسمت: لأ طبعاً بس لو عرف اني عملت كدا الله أعلم كان نتيجتها هتبقى إيه ..  انت عارف الموضوع صعب أصلاً و ما فيهوش ضمانات .

ابتسمت ندى بفهم متأخر فكادا أن يضحكا عليها لولا توتر الجو العام .               

.....................

وقف أحمد بجانب نافذة غرفته ينظر للشارع بعيون فارغة بينما استلقى سعد على سريره مغمض العينين. يلتف أحمد وينظر له ويقول بهدوء :
-       انت نمت يا سعد؟
-      لأ  لسة
-      تفتكر اللي خطف عادل كان عايز حاجة معينة ولّا مجرد صدفة ؟
-      هي الصدفة وصلت في مصر للخطف ؟
-      لأ مش قصدي .. بس البلد مش أمان وبنمشي نلف حوالين نفسنا أصلاً
-      بلاش مبالغة يا أحمد ..  أنا هنا في مصر بقالي فترة ولسة ما اتسرقتش ولا اتخطفت زي ما بتقول.
-      نرجع تاني للأهم .. طبعاً انت ملاحظ أن كل حاجة اتقلبت من يوم وفاة والدتك .

يتجهم سعد فيصمت أحمد وبعد دقيقة يقطع سعد هذا الصمت :
-               كمل يا أحمد
-                أنا آسف
-               و  انت ذنبك إيه .. عمرها بقى .. الله يرحمها .
-               الله يرحمها .. اللي أقصده من ساعتها بتحصل حاجات غريبة، مرض أمي، سكوت بابا، عفريت العلبة حسن اللي اكتشفت في يوم وليلة انه اخويا الكبير والكل عارف وأنا العبيط الوحيد اللي هنا وآخرتها عادل يتخطف .. حتى موضوع خطفه دلوقتي بالذات محيرني .
-                انت مش ملاحظ إنك بقيت شكاك قوي يا أحمد؟
-                انت مش شايف انت كمان إن  كل حاجة غريبة ؟ حتى موت والدتك ماكانش طبيعي ،  انت ازاي بتتعامل مع الموضوع بالهدوء دا بعد كل اللي  أنا شفته و حكيتهولك .
-               طيب نمسك الخيط من الأول .. إيه ملاحظاتك من وفاة ماما ؟
-               الموت ماكانش طبيعي .. جارتها قالت أنها كانت بتكلمها في التليفون طبيعي وبعدين .
-                انت بتسمّع يا أحمد؟ ..  أنا عارف الحدوتة .. وبعدين .. عايزنا نعمل إيه دلوقتي ؟
-               أحمد بيأس: مش عارف .
-               طيب تعالى نروحلها دلوقتي .
-               لأ طبعاً .. مش في وسط مشكلة عادل .
-               رجعنا لنقطة الصفر .
-               سعد انت المفروض تساعدني مش تحبطني ..  أنا على آخري .


ينظر أحمد إلى سرير عادل ثم ينهار في البكاء فيحتضنه سعد بشكل تلقائي صامت لثوان ثم يوقف أحمد بكاءه بصعوبة ويتمالك أعصابه ويبتعد عن سعد وهو يعبث في جيبه بحثاً عن منديل فتصطدم يداه بأكياس بلاستيكية فيخرجها ويتذكرها ولكن قبل أن يفتحها يسمعا جلبة خارج الغرفة وصياح عال وصراخ فيتركها علي المنضده ويهرعا خارج الغرفة ليجدا والد أحمد " رؤوف" يخنق حسن وهو فوقه بعد أن أسقطه علي الأرض ويصرخ فيه بعنف بجملة واحدة و يعيدها والأم تحاول إنقاذه منه وندى تبكي وهي تحاول ولكن بوهن وحسن مستسلم له بطاعة غريبة بينما رؤوف في قمة غضبه ووجهه  شديد الانفعال والاحمرار وقد أغرقه العرق والدموع واللعاب وهو لا يتوقف عن الصراخ بهستيرية قائلاً :


-                     قتلت أبوك يا حسن .. قتلت  أنس .




الاثنين، 16 نوفمبر 2015

عولمة عادل أمام في بيتي



"اوضه السفرة مثلا من اسبانيا، الترابيزة بس هتيجي من اسبانيا والست كراسي هتيجي من ايطاليا والمقابض والاكر بتوع النيش من اليابان. القزاز من بلجيكا . السيراميك بلاطه من ماليزيا وبلاطه من ايطاليا والوزره من الصين."








        لم أتخيل أن قول الفنان عادل إمام في فيلم عريس من جهه أمنية حين أراد أن يعرقل زواج أبنته بأشياء مستحيله قد يتحقق بهذا الشكل الكوميدي وإن أختلفت الصورة قليلا. قبل زواجي بقليل اهتممت أثناء شراء حاجياتي وأدوات بيتي أن تكون تلك الأشياء علي مستوي جيد لكي لا تفسد سريعاً، وكنت أنتقي وفقاً لما أراه جيداً دون تركيز علي جنسية المنتج، ولكن كان هناك قاعدة كبيرة التزم بها وهي تجنب المنتجات الصينية قدرما أستطع، وذلك ليس لسوء في الإنتاجية الصينية ولكن ثقة في أن المستوردون المصريون مصرون علي انتقاء الأرخص والأسوء من المنتجات الصينية ليغرون المستهلك هنا بالسعر الأرخص ولا عزاء للجودة (التي لا تعمل الجهه الرسمية المختصة بمراقبتها أو ترتشي). الصين تنتج من كل سلعة كل درجات الجودة بإختلاف الأسعار وكل مشتري يشتري قدر أستطاعته أو رغبته، لذا أُجبرنا علي الأدني في الجودة من منتجاتها المتعددة. ومع ذلك كانت هناك بعض الأستثناءات لأشياء بسيطه التلف فيها والأستبدال وارد لذا لا مانع من كونها صينية.




        درست قديماً العولمة وكنت أدري أن تأثيرها جلي في الأسواق المفتوحة مع تسهيل الأستيراد مما أدخل للأسواق المصرية شتي الجنسيات، لكن الكلام في العموم سهل، اما حين تجد لبنات بيتك كلاً من بلد تندهش جداً عما استطاع الأنسان ان يصل اليه في الحقبة الأخيرة من الزمن، كلما التفت حولك تجد شئ من بلد ربما حلمت أن تزورها يوماً فجاءت إنتاجية ابنائها حتي بيتك بينما أنت لم تزل في مكانك. تتخيل موقع المصنع وما حوله من تضاريس طبيعية وملامح عماله، وتتخيل الطرق الموازيه لجبال أو بحار أو مراعي أو تلال التي خاضتها لتكون بين جدران بيتك.




       أصبحت أشعر أن بيتي كالبستان يحوي زهرة من كل بلد، علب المطبخ البلاستيكية من فيتنام، زجاجات المياة الزجاجيه إيطالية، بعض الملابس والفناجين من بنجلاديش، ومن الأخيرة التايوانية ايضاً، الصنابير تركية واسبانية، اكواب فرنسية وغيرها هندية وأندونيسية، أجهزة المانية وأنجليزية، بل وأطباق إيرانية وفلبينية. كم أتمني أن تكون تلك الأشياء كالباسبورات تسمحلي أن أزور منشأها ولو ليوم في كل بلد. أظن الأن لن يندهش أحد من تذكري لمشهد عادل أمام. :)



الثلاثاء، 17 مارس 2015

حفلة خاصة





حفلة خاصة





    رن هاتفها المحمول فنظرت لشاشته ووجدت رقماً غريباً فلم تهتم أول الأمر، ثم تكرر الرنين بإصرار أزعجها فردت بشيءٍ من الحدة والاقتضاب.
-         آلو
-         الفنانة مريهان؟
-         نعم.
-         مساء الخير حضرتك، اتمني الا اكون أزعجك.
-         لا أبداً ... خير؟ - أنا رجل الأعمال سعيد الحميدي وأرغب أن أقيم حفلة وأرغب أن يكون علي أنغام صوتك.
قالت بدهشة:
-         حفلة؟
-         نعم .. حفلة خاصة.
 شعرت بالارتياب من هذا الشخص، وحين طال صمته قالت:

     -   آسفة ولكني لم أعد أغني في حفلات خاصة.
-         أدري ذلك .. وأدري أيضاً أنه ليس قراراً شخصياً، بل لم يعد أحد يقيم حفلات سوى للأفراح أو في مناسبات محدودة أو منظمين الحفلات الكبيرة في الصيف علي شتى الشواطيء الراقية. - لا أبالي بالأسباب .. لقد توقفت وهذا يكفيني.
-         ولكن الأمر يستحق
-         أي أمر ؟
-         ستعلمين وقتها.
-         نعم ؟
-         أعذريني سيدتي .. دعيني أوضح أكثر.
-         لا داعي
-         فليطل صبرك عليَّ لدقائق أخرى أرجوكِ ولك بعدها مطلق الحرية في القبول أو الرفض أو إغلاق المكالمة.
-         تفضل.
-         إنه حفل خاص ولكن ليس شخصي، في مكان عام وحضور محدود وليس قليل.. لن تقضي أكثر من ثلاث ساعات فقط تقسمينهم كما تشائين، ويمكن بعد موافقتك أن تحضري وتغني أغنية واحدة، وإن لم يعجبك الأمر ترحلين دون إكمال الحفل وبكامل أموالك التي تحددينها بنفسك.
-         أين سيكون الحفل؟
-         في قاعة مكتبة عامة في منطقة عابدين... ورقم هاتفها سأرسله لك في حال موافقتك، ويمكنك الاتصال والتحقق بنفسك، بل ويمكنك أيضاً الاتصال بالسنترال والتأكد من العنوان والتفاصيل عن طريق الرقم.
-         وهل الأمر بهذة الأهمية؟
-         جداً.
-         ليس لهذة الدرجة ... لقد أصبح الأمر مزرياً، وإن اعتذرت عنه يمكنك الاتصال بغيري للاتفاق معه دون عناء، وسيقبل بكل ترحاب، فلا تجهد نفسك.
-         أرجوك ... الأمر كله سيلغي دونكِ.
-         لماذا؟
-         لأنك نجمة حفلنا المرجوة والوحيدة ولن يشاركك أحد.
-         هل تدرك مدى المبلغ المطلوب لأغني في حفل؟
-         لك ما تتطلبين.
-         والحفل متي؟
-         بعد غد.
-         اذن سأعطيك ردي بالغد.
-         آسف يا افندم .. يجب أن تقرري اليوم.
-         ولماذا يجب؟
-         لأتفق مع المكتبة.
-         فهمت ... إذا فليكن.
-         وهناك شرط آخر من فضلك.
-         وتشترط أيضاً؟
-         سامحيني، ولكن يجب أن تكون اختياراتك فيما ستغنينه لا تخرج من مجموعة معينة من أغانيك.
-         هذا غريب.
-         صدقيني، الأمر يستحق.
-         لا بأس ... أي الأغاني ترغبون؟
-         فقط أعطيني ساعة لأنظم مع المكتبة تفاصيل الحفل، ثم سأعاود الاتصال بك لتحديد الأغاني والمال وإعطاءك العنوان وباقي التفاصيل.

........................................................



    دخلت من باب المكتبة فوجدت شاباً يتجه نحوها بسرعة بابتسامة واسعة وحياها بحرارة وسعادة أبهجتها، ولكن توقعت أن يشير لها أو يسير معها نحو أية جهة، ولكنه ظل واقفاً في مكانه بجوارها لثوانٍ يتحدث عن مدى بهجته بقبولها الغناء في تلك الحفلة، ثم حين لمح رواد يقتربون من الخارج للباب أشار لها لباب جانبي صغير، وتوجه معها تجاهه. فسألته مستفسرة، فقال لها أن هذا الباب يقود لسلم تصعده لتصل لكواليس مسرح القاعة الفنية للمكتبة، فابتسمت بلطف وطلبت منه أن يعود لعمله، وهي يمكنها أن تصل بنفسها. دخلت من الباب فوجدت ممراً متسعاً قصيراً بلا أبواب علي جانبيه، و آخره دَرَج وشبه مظلم عدا آخره، فتوجهت بخطوات ثابتة نحوه، ولكن فاجأها صوت ذكوري غليظ في الظلام، فتوقفت وأصغت لكن وجدت صوتاً ذكورياَ آخر يرد عليه، فأمعنت النظر في الظلام، فلم ترَ شيئاً، ثم وجدتهما يخرج أحدهما من أسفل الدرج ويأخذ صناديق كرتونية بشكل رتيب ويعطيها للآخر تحت الدرج، ففهمت أنهما عاملان يقومان بترتيب بعض الصناديق، فتمهلت خطاها وبطؤت وإن وشت بشيء من القلق، وأعطتها وقتاً لتسمع شيئاً من حوارهما.
-         من معه مال محيره يشتري حمام ويطيره.!
-         إنهم مدللون ... لو يدركون أن غيرهم يتمنى ربع ما ينفقون.!
-         ولكن لم يقل بهاء هذة المرة عن اسم مستأجر القاعة.
-         عندك حق ... رغم أن بهاء يؤلمه أن يعرف أمراً ولا يشارك الجميع به في ثرثرته اللا نهائيه.
-         يقال أن هذة المرة الأمر أكبر من فِرَق شبابية مجهولة وأصحابهم.
-         سمعت هذا ولم أصدق ...
-         لن يقبل أي من المشاهير الغناء في تلك المكتبة الصغيرة ذات الميزانية المتهالكة.
-         أتدري أن بدون تأجير القاعة اليتيمة تلك من وقت لآخر، لم تكن أجورنا تغطي ديوننا الشهرية؟
-         حماقةٌ روتينيةٌ أخري ... عشرات الموظفين بأجور زهيدة في كيان مفلس لا يزوره أحد، ولو كان هناك بدائل لذهبت عنه بلا رجعة.
-         كفي نواحاً ودعنا ننهي هذا لنري أمر مفاجأة الحفل تلك.
-         وفيما ستفيدنا؟
-         لا شئ، مجرد...
    قطع الرجل بجوار الدرج كلامه، حين رآها تقترب فحدق بها مندهشاً، فصاح الآخر من تحت الدرج يسأله عن سبب صمته ووقوفه، فلم يهتم فابتسمت هي في خفوت رسم ابتسامة واسعة علي محياه، وصعدت هي الدرج بينما خرج زميله ليسأله عما به، فلم يجد إلا ابتسامة واسعة بلا سبب.


..................................................



    أعطت المايسترو ألحان الأغاني المنتقاة فابتسم بتهذيب وسعادة وهو يأخذها منها ويعطيها نسخته لتتأملها وتجدها مطابقه تماماً، فتبتسم له وقد اطمأنت، ووقفت خلف الميكروفون منتظرة انفتاح الستار فبدأت الموسيقى لأغنية طويلة قديمة لها فاستغربت سبب البداية المبكرة على رفع الستار، ونظرت للعازفين بدهشة فوجدتهم شباب وفتيات متوسطي السن فابتسموا لها جميعاً فمع وجوههم النضرة المشرقة بابتساماتهم شعت في داخلها بهجةً كبيرةً غير مبررة، منعتها من أخذ أي موقف، بل وهيأت ذاتها لتحتوي أية أخطاء قد تصدرعنهم دعماً لموهبتهم، وأعجبها عزفهم الدقيق المتقن كعازفي الأوبرا أو غيرهم من الكبار المخضرمين، والذي ظهر بوضوح لأن الأغنية كانت من أغاني بدايتها التي اتسمت بالإبداع في التلحين،عن السرعة أو الجو الموسيقي الإليكتروني الصاخب الأخير الذي أصاب معظم الأغاني حتى أغانيها هي. واقترب الجزء الذي ستغني به فجهزت نفسها للغناء ولو أن الستار كان  مغلقاً، ولكن فاجأها تحرك الستار ببطء وهدوء متناغم مع نغمة معينة فهالها ما رأت ... كانت القاعة ذات العدد المتوسط من المقاعد ممتلئ نصفها بمستمعين غالبيتهم من الشباب، وقد ارتدى جميعهم الملابس الرسمية وارتدت معظم النساء أثوابا وتنانير جميلة، وقد علت الدهشة وجوه الجميع ثم قام أحدهم بالتصفيق فتعالى التصفيق بشكل حاد مع عيون دامعة لدي بعضهم فاستغربت هذا الأمر وإن ابهجها بشدة فغنت من قلبها يومها بشكل فاجأها، شعور غامر بالفرحة والامتنان غمرها وإن لم تفهم سببه، هذة القاعة الأنيقة والأغاني الراقية المنتقاة بعناية والجمهور الكلاسيكي الذي ظنت بانقراضه منذ زمن، بل إنه شابٌّ كذلك وهذا أكثر ما ادهشها، كما لم يقع العازفون في أية أخطاء، بل كانوا في غاية الانتباه للمايسترو الذي كان متواصلا معها بصرياً وتجاوب مع جميع رغباتها في إعادة مقاطع بعينها في بعض أغانيها بشكل متكرر غير موجود في اللحن الأساسي ولكن متجاوب معه جمهورها وأحبالها الصوتية وروحها الفنية، في امتزاج افتقده الفن وكان آخر ظهور له -باستثناء بعض المرات النادرة - في أغاني جيل نادية مصطفي وميادة الحناوي وغيرهما من ذوي الأصالة في الغناء.

    انتهى الحفل ولم يقم المستمعون بسرعة كجمهور السينما، بل انتظروا حتى توارت هي بانغلاق الستار رغم استمرار التصفيق والذي كان ببهجة وبعد كل أغنية، ذهبت للمايسترو والعازفين وأثنت علي عزفهم وحسن قيادته فبادلوها الابتسام في تهذيب، وقال المايسترو أنه هو وفرقته من شرفوا بعزف تلك الأغاني بوجودها، وأن تلك الأغاني في قائمتهم الشهرية لعزف الأغاني الأصيلة فاندهشت فقال لها أنهم يعزفون العديد من الأغاني بغاية الاستمتاع بالفن لمحبية، كل شهر بمكان، وأن حسن حظهم هو ما قادهم هذا الشهر ليكونوا هنا. وقبل أن ترد جاءها الموظف الذي قابلته في البداية وابتسم لها، وأثناء سيره معها نحو باب مختلف أثني علي تلك السهرة المميزة التي نادراً ما تحدث وشكر تواضعها لقبول الغناء في هذا المكان، فسألته عن رجل الأعمال الذي اتفق معهم ومعها علي هذا الحفل، فقال أنه لم يأت اليوم ولكنه رجل غريب أتي مرةً وشاهد القاعة ثم اتفق معهم علي اليوم، ولكن طلب منا أن ننتظر قليلاً، ولأن تلك القاعة شبه مهجورة ولا يأتي لها إلا القليل من وقت لآخر فلم يكن الانتظار مشكلة تعطل جدولها. فسألته عن العازفين فاندهش وقال أنهم أول مرة يأتون هنا، وكانوا يظنونهم معها وأتوا مبكرين عنها. وصلوا للباب فشكرته وحيته بودية فشكرها هو بحرارة مهذبة بينما عيناه نطقت بالامتنان والعرفان الجم. خرجت من المكتبة فاقتربت منها فتاة وفتي في غاية الأناقة في ثوبها الأزرق الداكن وبدلته الكحلية فابتسما في خجل.


-         ماريهان: قولا لي .. كيف اتفقتما جميعاً على أن تأتوا بثياب رسمية وكأنكم في الأوبرا وليس مكتبة صغيرة؟
-         الفتاة: المصادفة هي التي عرفتني على هذا الحدث علي الفيسبوك؟
-         ماريهان: الفيسبوك؟
-         الفتاة: نعم .. الدعوة كانت لحضور حفل راقي كحفلات الماضي وبسعر مناسب، بشرط أن يكون القادم محباً للفن ويتسم بسلوك هاديءٍ ويرتدي زياً رسمياً أنيقاً، الحفل سيتم سماع بعض الأغاني الأصيلة به والتمتع بسهرةٍ راقيةٍ أنيقةٍ في قاعة مكتبة.
-         الفتي: صدقاً لقد ارتبت في الأمر وظننته خدعة.
-         ماريهان: (بابتسامة وصوت خافت) كذلك أنا.
-         الفتي: ولإلحاحها وافقت .أ اتيت لحمايتها فقط من العودة متأخراً وحدها، ولم أتوقع الكثير بهذا السعر القليل في تلك المكتبة الصغيرة، وكنت سأشاركها الأمر فقط لأنها ترغب في ذلك، وكان كل ظني أنها ستجد الأمر مملاً ولن تهرول ثانيةً لمثل تلك الأمور.
-         الفتاة: ومفاجأتنا بوجودك خالفت ظنه.
-         الفتي: نعم ... لقد كان الأمر أروع مما تخيلت او تمنيت، هذة الروعة في استطعام الفن والنغم كدت أن أنساها، هذا الهدوء في الحركة والرقي في الزي والحوار والتعامل أبهج الروح ببهجة غريبة لم أعشها من قبل.
-         الفتاة: نظام الحياة اللاهث والفن الصاخب أضاع منا هدوءاً ومتعةً عاشها أهلنا ولم نفهمهم حين حكوا عنها لأننا لم نجربها.
-         الفتي: بل كنت أسخر منها في مشاهدتي لحفلات كاظم الساهر وهاني شاكر وغيرهم من مطربي الفن الذهبي.
-         ماريهان: أنتم لا تدركون ماذا فعلت سهرتنا اليوم تلك، وكلماتكم الآن.
-         الفتي والفتاة: ماذا فعلت؟
-         ماريهان: بابتسامة (ستعرفون في البومي القادم)
-         الفتاة: حقاً ؟!
-         الفتي: فعلاً اشتقنا لأغانيكِ.
-         ماريهان: بل وقدتماني أنتما إلي ما كنتُ تائهةً عنه ... ولا تسألا ما هو فستعرفان مستقبلاً.


    ابتسما لها وشكراها بشدة وطلبا منها - إن أمكن- أن تعيد هذة السهرة بنفس المكان أو في غيره يماثله بنفس السعر - ولو مرة سنوياً- حتي يستطيعا أن يحضراها ويحظيا بالاستمتاع بصوتها الشجي بشكلٍ مباشر فهو أمتع وأروع من أن يسمعوه من سماعات لا حياة بها. افترق طريقاهم، ودنت من سيارتها وهي تحاول الاتصال برجل الأعمال لشكره ولكن هاتفه كان مغلقاً.



الثلاثاء، 17 فبراير 2015

موسيقي الوداع






ارتفع صوت طبول الحرب، الاراضي تتساقط من حولك في يد عدوك الذي يتوسع بكل وحشية تنبأ بحماقه لا حدود لها، او ثقه مرعبه، الحرب العالمية الأولي تجاوز عدد ضحاياها 9 ملايين شخص، والثانية تجاوزتها لتثبت تطور الوحشية البشرية ليقترب الرقم النهائي من عشر أمثال سابقه، ربما تقام الثالثه او لا ولكن ذلك لن يمنع ان تكون احد الضحايا المترقبين في اي لحظه فالدم يتناثر بلا خجل، بلا رادع، ومن يتحدث عن وقفه هم سافكيه في مواقف أخري تعلو فيها مصلحتهم عنه، ما كلماتهم وافعالهم الأن سوي تمثيلية لحفظ ماء وجوههم، تلك الوجوه الزائفه ذات التعبيرات والنظرات المحسوبه لنتائج سياسية مرجوة.


لملم الأزهار التي كنت تجمعها لبهجتك بالحياة ووزعها علي قبور من رحلوا بدون ذنب، لملم الأزهار جميعها لتوزيعها علي قبور من سيرحلوا قريباً او لترثية اهلهم -إن بقيوا- فالازهار ستصبح عملة نادرة غداً، فالأرض التي تروي بالدماء لا تنبت سوي الحزن والألم.


ارفع صوت الموسيقي حتي تعلو علي صوت طبول الحروب، توقف عن مشاهده سابقيك حتي لا تهلع واستقبل النهاية بقلبك حتي لا تذعر حين تقابلك بغتة كمليارات من قبلك. لا احد ممن يحكمك يهمه امرك، كل ما يهمه هو ان يحكمك، فأنت لست سوي عبأ علي كاهله امام المجتمع الدولي لا ضميره، مجرد رقم في تعداد بلده مسلوب الحقوق كملايين حوله. فلا تحزن علي حالك فالجميع مثلك.


لم تكن تحلم سوي بحياة كريمة تسعي فيها لتصبح ذو فائدة إنتاجية ما فلم تجد سوي الموت يلاحق افكارك وطموحاتك واحلامك وايامك ثم يمل منك فيلاحقك شخصياً لينتهي من أمرك.


ما كان إنتاج الارض من زهور الا لرثاء الراحلين، ولا من نسمات إلا للتخلص من رائحه جثث الموتي المتراكمة في كل الزوايا، ولا من مياة إلا لتخفيف لزوجة الدماء لتستطيع الارض إبتلاعها. وما إنتاج البشرية من فن وإبداع الا لتخفيف وطأة النهاية وتهيئة الجميع لها، لذا دعني مع موسيقي الوداع أقرأ كتاب يحكي عن بشر أكثر رقياً وأقل جوعاً للدماء فلربما يكون هذا الكتاب الأخير.


الثلاثاء، 20 يناير 2015

فسيفساء




فسيفساء




لا تسألني معني العنوان، فيمكنك - لو كنت بدون ثقافة - العثور علي المعني من الشبكة العنكبوتية، ولكن لكي أكون منصفة سأقول إنه فن "الموازييك" فإن لم تعرف أيضاً، عد إلي أقتراحي الأول.



هل تري تلك اللوحة البديعة ؟ لا تقترب منها كثيراً وأكتف بالتأمل من بعيد فبين زواياها آلاف الشظايا وعشرات القطع الزجاجية والرخامية والخزفية تجمعت معاً بمعاناة لتظهر علي هذا الشكل البديع رغم كل ما قابلته وجعلها مجرد حطام لما كان من قبل شئ ما.. حطام لكيان ولكن أُعيد تشكيله لكي يحفظ ماء وجهة بعد أن تناثر وتبعثر وتكسر عشرات المرات بعنف وقسوة من عناصر داخلية وخارجية.. وثق في ذاته وظن أن عناصره من مبادئ ستحميه فوجدها تتفتت أمام ما يقابله مما لا يرغب فيهشم كل زواياه القديمة التي ظنها قويمة فوجدها في هذا الزمن الرمادي عقيمة.



فدعه في حزنه ومعاناته ما دمت لن تُقدِر آلامه التي عاناها من قبل.











الخميس، 1 يناير 2015

المنتحر قاتل



المنتحر قاتل








      المنتحر ليس ضحية، ليس مجرد هارب، ليس اليأس والإحباط مبرر للقتل. القتل الذي أصبح لقمه قابلة للمضغ في فم الجميع لإنتشار التحدث عنها سواء في الأفلام أو الروايات أو النشرات الإذاعية أو الأخبار. أصبح العنف و اخبار الحوادث يهاجمونا في كل الزوايا وبلا إنقطاع فأصبح القتل امر اعتيادي بالرغم انه سمٍ شنيع يزهق الروح ويبلي الجسد ويفسد المجتمع ويفطر القلوب ويُفقد الحياة للمقتول وجدوي الحياة لكل من حوله من أهل وأصدقاء.




    القتل خطيئه لا توبه منها فمن يقتل شخص يعارض بقوة إرادة الله التي وهبت للمقتول حياة وعقوبتها مثلها لمرتكبها. كيف تكون له حياة وقد سلبها من غيره بمحض إرادته ورغبته. جريمة القتل الخطأ يجب أيضاً أن يُغلظ عقوبتها ليتوخي الجميع الحذر ويلزموه بشدة حتي لا تهدر ارواح خطأ او يهرب قاتل من جريمته بحجة الخطأ.





   اما المنتحر الهارب من المجتمع والظروف والحياة ليس مجرد جبان او ضعيف او سلبي او ضحية بل هو قاتل لأنه جرأ علي المساس بالسر الإلهي "الروح" والنعمة بالغة الندرة وهي "الجسد". نعم بالغة الندرة علي رغم من الكثافة السكانية علي كوكب الأرض. أجبني هل يستطيع أي فرد ان يهبك جسده لو أبليت جسدك ؟ أجبني أيضاً هل تستطيع حماية جسدك من الضعف والعجز والمرض وكل ما يشابههم لمائة عام ؟ او خمسون ؟ إذا قدر أهمية ما أعطاه الله لك من روح وجسد وصحة وعزيمة، مليارات البشر أحياء وأموات يتمنوها. ولا تهدرها بشكل نهائي لا رجعة فيه في عملية إنتحار تزهق بها روحك وتُعدم فرصك في الحياة والإنطلاق والبهجة والعوض الكبير الذي يهبه الخالق للصابرين علي سوء الأحوال. والأهم تُعدم فرصتك الوحيدة الباقيه في الرحمة والتوبة بعد ان اصبحت ايها المنتحر او الراغب في الانتحار قاتل.




الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

اللادينيين


اللادينيين



     في شهر مايو 2014 كتبت تلك الكلمات، كنت أقرأ رواية ديبلوبيا للكاتب د.شريف الشاذلي، وهي تعرض جزء من حياة بعض الشباب المتجاورون في للسكن والمختلفون في الدين والعقائد والإتجاهات. لن أتكلم عن الرواية أو عن صداها بداخلي لأنها لم تترك صدي بل عرضت لي أنماط ونماذج بشكل أعمق مما أدريه. لست من متشددي الدين الأسلامي أو متسيبيه، ولست نقطة في المنتصف ايضاً بل مؤشر يميل يمينا قليلاً حينا ويساراً قليلاً حيناً، ولا أدري سماحتي الداخليه نابعة من سماحة دين ام تحضر سلوك ام انسانية لا أكثر أو أقل.


   أقرأ في الفترة الأخيرة لد.مصطفي محمود بشراهة وأشعر في كلاماته نور يؤكد لي ظلام المتشددين وضيق أفقهم وسطحيتهم في تمسكهم بقشور الإسلام وترك مبادئه الراقيه وأصوله القويمه، ولست كذلك من فقهاء الدين بل اسير بروية لضعف إيماني وتكاسل بدني مما يحجبني عن إتمام العبادات وإنارة جميع زوايا الروح وتطيبها بعنبر الإيمان والشعور الرائع برضا الرحمن. تلك مجرد نبذة بسيطة عني وعن إتجاهي الديني حتي لا يتم  الحكم علي رأيي في السطور القادمة بشكل خاطئ وإن كنت - عذراً – لا أعبأ سوي بأن تفيدك كلماتي لا أن أعرف رأيك في.


    مؤخراً لاحظت ميل كبير لشباب كثير لرفض المعتقدات والثواب حتي لو كانت دينيه، وكان هناك قديماً فيلم عرض تلك المشكلة كان بطله نور الشريف وكان والده رجل صالح ولكن أساء في تعليم ابنه الدين بشكل تربوي مرن طيب صحيح لتشدده فأرتد الطفل واندفع في الاإتجاه العكسي وأنكر هذا الدين الذي قرنه ابيه في ذهنه بالقسوة .


    الرواية التي معي تعرض بشكل أكبر أزمة المسيحيين في بلد أغلبيته مسلمة ويحمل التطرف في بعض عناصره، والذين للأسف هم أيضاً ضحايا لجئوا للتطرف في الدين كرد فعل عكسي علي سواد الفساد في بلادهم وحلمهم ان يكون الحل من عند خالقهم إذا التزموا بالدين بحذافيره وتفاسيره التي ينتقوا منها ما يناسبهم، وأجبروا الجميع من حولهم علي النهج بنهجهم والتحول للصورة القديمه للتشبه ببيئه الرسول.


كلهم وكلنا ضحايا سوء التعليم والتربية، اليأس، الفساد، تعنت وإنشغال من علمونا لأنهم أيضاً كانوا أبناء لمواطنين بسطاء في حالة حرب ببلدهم فكانت الأولوية للبقاء لا باقي العناصر النفسيه والتربوية التي أظن انها ربما كانت رفاهيات أو كماليات. العلم والثقافة والمرونة والإحتواء والإستيعاب للأختلاف ولين الكلام هو الحل ولكن من القادر علي فعل ذلك ونحن كلنا في نفس المشكلة معاً ؟