‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 15 أغسطس 2022

نورسانتي - الجزء الأول

(1)



رفع رأسه ببطء وهو يتأوه، بصق شيئاً شعر به بفمه ممزوجاً بسائلٍ ظنَه لعابَه حتى رآه على الأرض بجانب جسده المسجيِّ على الرمال البيضاء، كان أحد الضروس مكسوراً ومختلطاً بالرمال والدماء. تحسس بلسانه أسنانَه ليعرف مكانه لعجزه عن تبين مكانه استدلالاً بالألم، فكل وجهه وجسده يؤلمانه بشدة.


اعتدل جالساً ونظر حوله، ففزع حين رأى أنه في مكان مقفر لا يوجد به سواه، فلاة ممتدة علي مرمى بصره، حاول الوقوف ولكن ساقه اليسري لم تُعِنه، بل على العكس زاد توجعُه منها على بقية الجسد بشكلٍ لفت نظره لتخضب بنطاله بالدماء، فرضخ وعاد للجلوس جاهلاً ما يمكن أن يقوم به أو يساعده في الورطة التي وجد نفسه فيها.


حاول أن يهدأ ويتمالك أنفاسه كما نصحته أخته عفاف مراراً، كان لتذكرها طيب الأثر عليه، ولكن ما مرت ثوانٍ حتى زال الأثر لتذكر ما يرتبط بها ويؤلم، تذكَّرَ أنها رحلت وتركته رغم علمها بأنه يتيمٌ دونَها بعد وفاةِ والديهما منذ عقدٍ مضى، تذكر أنها لم تعد موجودةً في حياته سوى مجرد ذكرى شديدةِ العذوبةِ والشجن، تذكر أنها غابت عنه وتُوفيت نتيجةً لوباءٍ اكتسح العالم فغفل عنه وهو غير محتاطٍ صحياً في تعاملاته اليومية، وأصابها هي التي لم تغادر بيتَها منذ اقترنت بـ(سامح). (سامح) .. هذا اللعين.


كان تذكُّر هذا الشخص أمراً بغيضاً لم يتمنَّه في هذا الوقت وهذا المكان، ولكنه كان خير وسيلة ليتذكر كيف أتى إلى هنا وأين هو.

للمتابعة


الثلاثاء، 17 مارس 2015

حفلة خاصة





حفلة خاصة





    رن هاتفها المحمول فنظرت لشاشته ووجدت رقماً غريباً فلم تهتم أول الأمر، ثم تكرر الرنين بإصرار أزعجها فردت بشيءٍ من الحدة والاقتضاب.
-         آلو
-         الفنانة مريهان؟
-         نعم.
-         مساء الخير حضرتك، اتمني الا اكون أزعجك.
-         لا أبداً ... خير؟ - أنا رجل الأعمال سعيد الحميدي وأرغب أن أقيم حفلة وأرغب أن يكون علي أنغام صوتك.
قالت بدهشة:
-         حفلة؟
-         نعم .. حفلة خاصة.
 شعرت بالارتياب من هذا الشخص، وحين طال صمته قالت:

     -   آسفة ولكني لم أعد أغني في حفلات خاصة.
-         أدري ذلك .. وأدري أيضاً أنه ليس قراراً شخصياً، بل لم يعد أحد يقيم حفلات سوى للأفراح أو في مناسبات محدودة أو منظمين الحفلات الكبيرة في الصيف علي شتى الشواطيء الراقية. - لا أبالي بالأسباب .. لقد توقفت وهذا يكفيني.
-         ولكن الأمر يستحق
-         أي أمر ؟
-         ستعلمين وقتها.
-         نعم ؟
-         أعذريني سيدتي .. دعيني أوضح أكثر.
-         لا داعي
-         فليطل صبرك عليَّ لدقائق أخرى أرجوكِ ولك بعدها مطلق الحرية في القبول أو الرفض أو إغلاق المكالمة.
-         تفضل.
-         إنه حفل خاص ولكن ليس شخصي، في مكان عام وحضور محدود وليس قليل.. لن تقضي أكثر من ثلاث ساعات فقط تقسمينهم كما تشائين، ويمكن بعد موافقتك أن تحضري وتغني أغنية واحدة، وإن لم يعجبك الأمر ترحلين دون إكمال الحفل وبكامل أموالك التي تحددينها بنفسك.
-         أين سيكون الحفل؟
-         في قاعة مكتبة عامة في منطقة عابدين... ورقم هاتفها سأرسله لك في حال موافقتك، ويمكنك الاتصال والتحقق بنفسك، بل ويمكنك أيضاً الاتصال بالسنترال والتأكد من العنوان والتفاصيل عن طريق الرقم.
-         وهل الأمر بهذة الأهمية؟
-         جداً.
-         ليس لهذة الدرجة ... لقد أصبح الأمر مزرياً، وإن اعتذرت عنه يمكنك الاتصال بغيري للاتفاق معه دون عناء، وسيقبل بكل ترحاب، فلا تجهد نفسك.
-         أرجوك ... الأمر كله سيلغي دونكِ.
-         لماذا؟
-         لأنك نجمة حفلنا المرجوة والوحيدة ولن يشاركك أحد.
-         هل تدرك مدى المبلغ المطلوب لأغني في حفل؟
-         لك ما تتطلبين.
-         والحفل متي؟
-         بعد غد.
-         اذن سأعطيك ردي بالغد.
-         آسف يا افندم .. يجب أن تقرري اليوم.
-         ولماذا يجب؟
-         لأتفق مع المكتبة.
-         فهمت ... إذا فليكن.
-         وهناك شرط آخر من فضلك.
-         وتشترط أيضاً؟
-         سامحيني، ولكن يجب أن تكون اختياراتك فيما ستغنينه لا تخرج من مجموعة معينة من أغانيك.
-         هذا غريب.
-         صدقيني، الأمر يستحق.
-         لا بأس ... أي الأغاني ترغبون؟
-         فقط أعطيني ساعة لأنظم مع المكتبة تفاصيل الحفل، ثم سأعاود الاتصال بك لتحديد الأغاني والمال وإعطاءك العنوان وباقي التفاصيل.

........................................................



    دخلت من باب المكتبة فوجدت شاباً يتجه نحوها بسرعة بابتسامة واسعة وحياها بحرارة وسعادة أبهجتها، ولكن توقعت أن يشير لها أو يسير معها نحو أية جهة، ولكنه ظل واقفاً في مكانه بجوارها لثوانٍ يتحدث عن مدى بهجته بقبولها الغناء في تلك الحفلة، ثم حين لمح رواد يقتربون من الخارج للباب أشار لها لباب جانبي صغير، وتوجه معها تجاهه. فسألته مستفسرة، فقال لها أن هذا الباب يقود لسلم تصعده لتصل لكواليس مسرح القاعة الفنية للمكتبة، فابتسمت بلطف وطلبت منه أن يعود لعمله، وهي يمكنها أن تصل بنفسها. دخلت من الباب فوجدت ممراً متسعاً قصيراً بلا أبواب علي جانبيه، و آخره دَرَج وشبه مظلم عدا آخره، فتوجهت بخطوات ثابتة نحوه، ولكن فاجأها صوت ذكوري غليظ في الظلام، فتوقفت وأصغت لكن وجدت صوتاً ذكورياَ آخر يرد عليه، فأمعنت النظر في الظلام، فلم ترَ شيئاً، ثم وجدتهما يخرج أحدهما من أسفل الدرج ويأخذ صناديق كرتونية بشكل رتيب ويعطيها للآخر تحت الدرج، ففهمت أنهما عاملان يقومان بترتيب بعض الصناديق، فتمهلت خطاها وبطؤت وإن وشت بشيء من القلق، وأعطتها وقتاً لتسمع شيئاً من حوارهما.
-         من معه مال محيره يشتري حمام ويطيره.!
-         إنهم مدللون ... لو يدركون أن غيرهم يتمنى ربع ما ينفقون.!
-         ولكن لم يقل بهاء هذة المرة عن اسم مستأجر القاعة.
-         عندك حق ... رغم أن بهاء يؤلمه أن يعرف أمراً ولا يشارك الجميع به في ثرثرته اللا نهائيه.
-         يقال أن هذة المرة الأمر أكبر من فِرَق شبابية مجهولة وأصحابهم.
-         سمعت هذا ولم أصدق ...
-         لن يقبل أي من المشاهير الغناء في تلك المكتبة الصغيرة ذات الميزانية المتهالكة.
-         أتدري أن بدون تأجير القاعة اليتيمة تلك من وقت لآخر، لم تكن أجورنا تغطي ديوننا الشهرية؟
-         حماقةٌ روتينيةٌ أخري ... عشرات الموظفين بأجور زهيدة في كيان مفلس لا يزوره أحد، ولو كان هناك بدائل لذهبت عنه بلا رجعة.
-         كفي نواحاً ودعنا ننهي هذا لنري أمر مفاجأة الحفل تلك.
-         وفيما ستفيدنا؟
-         لا شئ، مجرد...
    قطع الرجل بجوار الدرج كلامه، حين رآها تقترب فحدق بها مندهشاً، فصاح الآخر من تحت الدرج يسأله عن سبب صمته ووقوفه، فلم يهتم فابتسمت هي في خفوت رسم ابتسامة واسعة علي محياه، وصعدت هي الدرج بينما خرج زميله ليسأله عما به، فلم يجد إلا ابتسامة واسعة بلا سبب.


..................................................



    أعطت المايسترو ألحان الأغاني المنتقاة فابتسم بتهذيب وسعادة وهو يأخذها منها ويعطيها نسخته لتتأملها وتجدها مطابقه تماماً، فتبتسم له وقد اطمأنت، ووقفت خلف الميكروفون منتظرة انفتاح الستار فبدأت الموسيقى لأغنية طويلة قديمة لها فاستغربت سبب البداية المبكرة على رفع الستار، ونظرت للعازفين بدهشة فوجدتهم شباب وفتيات متوسطي السن فابتسموا لها جميعاً فمع وجوههم النضرة المشرقة بابتساماتهم شعت في داخلها بهجةً كبيرةً غير مبررة، منعتها من أخذ أي موقف، بل وهيأت ذاتها لتحتوي أية أخطاء قد تصدرعنهم دعماً لموهبتهم، وأعجبها عزفهم الدقيق المتقن كعازفي الأوبرا أو غيرهم من الكبار المخضرمين، والذي ظهر بوضوح لأن الأغنية كانت من أغاني بدايتها التي اتسمت بالإبداع في التلحين،عن السرعة أو الجو الموسيقي الإليكتروني الصاخب الأخير الذي أصاب معظم الأغاني حتى أغانيها هي. واقترب الجزء الذي ستغني به فجهزت نفسها للغناء ولو أن الستار كان  مغلقاً، ولكن فاجأها تحرك الستار ببطء وهدوء متناغم مع نغمة معينة فهالها ما رأت ... كانت القاعة ذات العدد المتوسط من المقاعد ممتلئ نصفها بمستمعين غالبيتهم من الشباب، وقد ارتدى جميعهم الملابس الرسمية وارتدت معظم النساء أثوابا وتنانير جميلة، وقد علت الدهشة وجوه الجميع ثم قام أحدهم بالتصفيق فتعالى التصفيق بشكل حاد مع عيون دامعة لدي بعضهم فاستغربت هذا الأمر وإن ابهجها بشدة فغنت من قلبها يومها بشكل فاجأها، شعور غامر بالفرحة والامتنان غمرها وإن لم تفهم سببه، هذة القاعة الأنيقة والأغاني الراقية المنتقاة بعناية والجمهور الكلاسيكي الذي ظنت بانقراضه منذ زمن، بل إنه شابٌّ كذلك وهذا أكثر ما ادهشها، كما لم يقع العازفون في أية أخطاء، بل كانوا في غاية الانتباه للمايسترو الذي كان متواصلا معها بصرياً وتجاوب مع جميع رغباتها في إعادة مقاطع بعينها في بعض أغانيها بشكل متكرر غير موجود في اللحن الأساسي ولكن متجاوب معه جمهورها وأحبالها الصوتية وروحها الفنية، في امتزاج افتقده الفن وكان آخر ظهور له -باستثناء بعض المرات النادرة - في أغاني جيل نادية مصطفي وميادة الحناوي وغيرهما من ذوي الأصالة في الغناء.

    انتهى الحفل ولم يقم المستمعون بسرعة كجمهور السينما، بل انتظروا حتى توارت هي بانغلاق الستار رغم استمرار التصفيق والذي كان ببهجة وبعد كل أغنية، ذهبت للمايسترو والعازفين وأثنت علي عزفهم وحسن قيادته فبادلوها الابتسام في تهذيب، وقال المايسترو أنه هو وفرقته من شرفوا بعزف تلك الأغاني بوجودها، وأن تلك الأغاني في قائمتهم الشهرية لعزف الأغاني الأصيلة فاندهشت فقال لها أنهم يعزفون العديد من الأغاني بغاية الاستمتاع بالفن لمحبية، كل شهر بمكان، وأن حسن حظهم هو ما قادهم هذا الشهر ليكونوا هنا. وقبل أن ترد جاءها الموظف الذي قابلته في البداية وابتسم لها، وأثناء سيره معها نحو باب مختلف أثني علي تلك السهرة المميزة التي نادراً ما تحدث وشكر تواضعها لقبول الغناء في هذا المكان، فسألته عن رجل الأعمال الذي اتفق معهم ومعها علي هذا الحفل، فقال أنه لم يأت اليوم ولكنه رجل غريب أتي مرةً وشاهد القاعة ثم اتفق معهم علي اليوم، ولكن طلب منا أن ننتظر قليلاً، ولأن تلك القاعة شبه مهجورة ولا يأتي لها إلا القليل من وقت لآخر فلم يكن الانتظار مشكلة تعطل جدولها. فسألته عن العازفين فاندهش وقال أنهم أول مرة يأتون هنا، وكانوا يظنونهم معها وأتوا مبكرين عنها. وصلوا للباب فشكرته وحيته بودية فشكرها هو بحرارة مهذبة بينما عيناه نطقت بالامتنان والعرفان الجم. خرجت من المكتبة فاقتربت منها فتاة وفتي في غاية الأناقة في ثوبها الأزرق الداكن وبدلته الكحلية فابتسما في خجل.


-         ماريهان: قولا لي .. كيف اتفقتما جميعاً على أن تأتوا بثياب رسمية وكأنكم في الأوبرا وليس مكتبة صغيرة؟
-         الفتاة: المصادفة هي التي عرفتني على هذا الحدث علي الفيسبوك؟
-         ماريهان: الفيسبوك؟
-         الفتاة: نعم .. الدعوة كانت لحضور حفل راقي كحفلات الماضي وبسعر مناسب، بشرط أن يكون القادم محباً للفن ويتسم بسلوك هاديءٍ ويرتدي زياً رسمياً أنيقاً، الحفل سيتم سماع بعض الأغاني الأصيلة به والتمتع بسهرةٍ راقيةٍ أنيقةٍ في قاعة مكتبة.
-         الفتي: صدقاً لقد ارتبت في الأمر وظننته خدعة.
-         ماريهان: (بابتسامة وصوت خافت) كذلك أنا.
-         الفتي: ولإلحاحها وافقت .أ اتيت لحمايتها فقط من العودة متأخراً وحدها، ولم أتوقع الكثير بهذا السعر القليل في تلك المكتبة الصغيرة، وكنت سأشاركها الأمر فقط لأنها ترغب في ذلك، وكان كل ظني أنها ستجد الأمر مملاً ولن تهرول ثانيةً لمثل تلك الأمور.
-         الفتاة: ومفاجأتنا بوجودك خالفت ظنه.
-         الفتي: نعم ... لقد كان الأمر أروع مما تخيلت او تمنيت، هذة الروعة في استطعام الفن والنغم كدت أن أنساها، هذا الهدوء في الحركة والرقي في الزي والحوار والتعامل أبهج الروح ببهجة غريبة لم أعشها من قبل.
-         الفتاة: نظام الحياة اللاهث والفن الصاخب أضاع منا هدوءاً ومتعةً عاشها أهلنا ولم نفهمهم حين حكوا عنها لأننا لم نجربها.
-         الفتي: بل كنت أسخر منها في مشاهدتي لحفلات كاظم الساهر وهاني شاكر وغيرهم من مطربي الفن الذهبي.
-         ماريهان: أنتم لا تدركون ماذا فعلت سهرتنا اليوم تلك، وكلماتكم الآن.
-         الفتي والفتاة: ماذا فعلت؟
-         ماريهان: بابتسامة (ستعرفون في البومي القادم)
-         الفتاة: حقاً ؟!
-         الفتي: فعلاً اشتقنا لأغانيكِ.
-         ماريهان: بل وقدتماني أنتما إلي ما كنتُ تائهةً عنه ... ولا تسألا ما هو فستعرفان مستقبلاً.


    ابتسما لها وشكراها بشدة وطلبا منها - إن أمكن- أن تعيد هذة السهرة بنفس المكان أو في غيره يماثله بنفس السعر - ولو مرة سنوياً- حتي يستطيعا أن يحضراها ويحظيا بالاستمتاع بصوتها الشجي بشكلٍ مباشر فهو أمتع وأروع من أن يسمعوه من سماعات لا حياة بها. افترق طريقاهم، ودنت من سيارتها وهي تحاول الاتصال برجل الأعمال لشكره ولكن هاتفه كان مغلقاً.



الخميس، 20 نوفمبر 2014

ضريبه باهظة


ضريبه باهظة




كانت بساطتها وجهلها وحسنها البازغ سبباً لزواجٍ مبكرٍ من رجلٍ حِرفيٍّ بسيطٍ يحمل بين طياته الطيبة واللؤم والكسل بنسب تتفاوت وتتبدل مع كل موقف يقابله، وبعد أعوام قليلة من زواجها وجدت في مسئوليتها أربعة أطفال، ولضيق رزق زوجها وقلة حركته، كان عليها - بجانب مهامها الرئيسية في الاهتمام بأساسيات بيتها- أن تدير شئون العيش بحِنْكةٍ وحكمةٍ اقتصاديةٍ لم تعرف لها سبيلاً فحارت، ولحسنها الرائع دلتها رفيقة على أن تخفي هذا الجمال ليبارك لها خالقها في أسرتها، فقبلت مرحبة، واتجهت لله رغبةً في أن يدلها ويساعدها علي مهام بيتها المتزايدة.

 فنبه ذلك زوجها إلى أن زوجته تتغير، فحاول في البداية أن يعيدها إليه وفشل، بينما هي مُنكَبَّةٌ علي الكتب الدينية، فعرِفَت من تلك الكتبِ قيمةَ نفسِها، ثم وسعت دائرة قراءتها لتحوي كل ما تقع عليه عيناها من كتب، وزادت ثقافتها، وتبينت مدى ضحالة فكر زوجها فحاولت أن تعاونه على أن ينضم إليها في سعيها الجديد نحو تطويرأسرتهم ثقافياً، ولكنه رفض وشعر بالفجوة تزداد بينه وبين زوجته التي كانت – في عينيه يوماً- مجرد امرأة جميلةٍ بسيطةٍ هادئةٍ، وكان مبلغ آماله الذي حققه بالفعل هو أن ينشيء أسرتهم وأن يسعى قدر استطاعته نحو توفير متطلباتهم، فبدأ في البحث مجدداً عن أخرى تناسبه بينما تسعى زوجته لإكمال مسارها التعليمي الذي توقف من عقدين وبضع سنوات، فشتت شتاتُهم الأبناءَ الذين كبروا ودنا نصفهم من فتره المراهقة وحدهم، رغم وجود والديهم جوارهم.

 ورغم كل هذا التفتت، حاولت هي أن تحافظ علي الكيان الأسري ولكنه لم يساعدها، وبدأ في محاربتها، فما هي عليه من ثقافة وتدين وذكاء وطاقة ليس سيئاً ولكنه غير مناسبٍ له، ولم يكن أبداً ما سعى هو إليه أو يستطيع أن يسعى إليه، بل هو يختلف تماماً عن زوجته وأم أولاده التي يعرفها.

لم يحدد مشاعره نحوها، وأصبح وجودها عليه عبءٌ نفسيٌّ لا يقدر على تحمله، بل ويثير غضبه وأعصابه طيلة الوقت، ويفتت بيتهم الهادئ ويحيلُه إلى بؤرة نزاع ومشاجرات وضجيج لا يحتمل، لاسيما حين تسجنهم الجدران معاً في الليل، فكان الانفصال - دون طلاق - خيراً لأبنائهم من ذلك التوتر الذي لا يناسب دراستهم وامتحاناتهم، وهامت هي تبحث عن مأوىً وعملٍ يقبلانها بعد أن تجاوزت أربعينها، وهي التي لم تكمل دراستها بعد وليس لديها شيء من الخبرة يعينها، كل خبرتها في الحياة هي كيف تدير بيتها.

ولم يسعده هذا التمرد الذي قد يغري أبناؤه بالتمرد عليه، فعزم على أن يفسد عليها كل مجهوداتها وأن يغلق في وجهها جميع الأبواب فتعود لرعاية بيتها في سكون، ولا تهتز صورة الأب في عيون الأبناء فيطيعونه كما يجب عليهم يفعلوا. ولم ينتج عن ذلك سوى أن تطور ما بينهما من وضع الانفصال إلى الطلاق. سيمنعها القانون عن أبنائها الذين قد تجاوزوا سن الحضانة منذ زمن، فيظل جميعهم معه فقط إن رغبوا في ذلك.

وأصبح الأب كجني المصباح الذي يحقق لهم جميع أمنياتهم مهما تجاوزت إمكانياته، ولأنهم قد عانوا كثيراً من ضيق الحال ولأن الحال قد تغير أخيراً، فقد فضلوا البقاء مع من سيأتيهم بكل ما يرغبون ويعطيهم حتى الرفاهية التي لم يكونوا يتصوروا يوما أن ينالوها .. لكن الفتاة الكبرى كانت تشعر بآلام أمها وتذكر سوء معاملة الأب لها فتعاطفت معها واستجابت لسعي الأم لأن تبقى بقربها، فرحلت معها وودعت إخوتها وداعاً لا رجعةَ فيه.



الخميس، 26 ديسمبر 2013

25 حبه





- انتي عارفه اني هنا دلوقتي علشانك
- لاحظت
- و بقالي شهر باجي هنا علشان اشوفك بس انتي منتبهتيش ليا خالص
- لأ أنتبهت
- ازاي ؟
- نظراتك فضحت أهتمامك
- ليه بتقعدي لوحدك ؟
- ملكش دعوه
- بعد كل ده  مش عايزه تكلمي
- طيب ... هي قصه طويله ملخصها اني بهرب هنا من الناس وبدور علي حل لمشكلتي 
- وهي ؟

أتي النادل ووضع أكواب العصير التي تطفو علي سطحها مكعبات الثلج الصغيرة فطلت من عينيها أشباح سوداء شديده الطول تأملتنا بسخريه ثم عادت لعينيها و توارت مجدداً فتنهدت الفتاه بعمق تنهيده حارة أذابت الثلج في كوبها ففاض و لكنها لم تعبأ لذلك . 
كانت بيضاء شديدة النحول و الشحوب ، كنت أظن هذا البياض الشاهق مساحيق تجميل و لكني حين جلست معها اليوم عن قرب وجدت ان وجهها يخلو من اي مساحيق ، بل يخلو من الدمويه نفسها ان رغبت توضيح أكثر ، كممثلي أدوار مصاصين الدماء . شعرها اسود قصير يتراقص بحريه علي جانب وجهها ، وخلال الشهر الذي جلست اتابعها فيه رأيته في عده اشكال فقد كانت تعقصه حينا و تصففه احياناً و احيانا تتركه مبعثر و أعدت هذا الأمر وقتها لنفسيتها التي تعطيها بال رائق لتصفيفه او لا فهي بشكل واضح لا تعباً لنظرات أحد و تظل تتأمل النيل من السادسه حتي التاسعه في صمت بلا اي شعور بالملل .

أرتشفت من كوبها الممتلئ لنهايته بالماصه ليصبح العصير في مستوي معتدل ثم أحاطت الكوب بمنشفه المنضده و جففته و احتضنته بصعوبه بعدها بكفها الأيمن لصغر حجم يديها ثم مدت كفها الايسر و التقطت يدي ووضعتها علي عنقها بشكل أدهشني و أحرجني في 
ذات الوقت و قالت بجديه .

- فك العقد عن رقبتي

لأول مره أنتبه لتلك القلاده رغم انها ترتديها يومياً ، كنت اراها من مكاني البعيد من قبل كحبات لؤلؤيه الشكل بدرجه لون بيضاء داكنه تحيط بعنقها في دلال و لكن اليوم وأنا بجانبها رأيتها بشكل أوضح أفزعني ، تلك الحبات كانت جماجم صغيرة تصطف بلا ترتيب حول عنقها ، وكانت القلاده ضيقه بحيث انها يجب ان يكون لها طرف تفك منه لذا بتردد قمت ووقفت خلفها لأبحث عن هذا الطرف فلم أجده بنظري و ترددت أكثر ان المس رقبتها في اول مره اجلس معها فيها و لكن انحناءه رأسها للأمام لتسهيل المهمه لي دفعني لأن أكمل ما قمت لأجله فلمست القلاده أولاً و لكن أفزعني رد الفعل و جعلني أقفز للخلف بشكل ملف للأنظار . لقد أنكمشت القلاده نحو عنقها و كأنها ترفض ان يقترب منها أحد ، اقتربت بتردد أكثر و مسكت القلادة و لكن سعان ما سحبتها مجدداً حين وجدت ان فك كل جمجمه منهم بدأ يتحرك للأعلي و للأسفل و كأنها تعض شئ أو تهدد بعض أنامل من يقترب منها فوقفت أمامها منذهلاً فاغراً فاهي فعدلت الفتاه رأسها و مدت يدها مسكت زراعي و اعادتني للجلوس امامها و كنت أطيعها مسلوب الأراده كالطفل الصغير و عادت تشرب عصيرها تنتظرني حتي أفيق من صدمتي و قد أخذت دقائق حتي تمكنت من العوده لوعيي و ادراكي و تمكنت من صف كلمات في جمله ذات معني في رأسي لكي انطق بها فسبقتني هي و لغت جدوي تلك الجمله بكلماتها .

- ليه حكيتلك و انت اول مره تعرفني ، اصرارك هو اللي خلاني اقولك الحقيقه علشان أبعدك ، العقد ده جبته من سنين و كان كله كور مدوره زي لؤلؤ عادي و اللي ربطها استك متين سهل تشده و تشيل العقد ، عقد رخيص لفت نظري فجيبته مش اكتر بس من وقتها كل ما يموت قريب ليا يتغير شكل كوره منهم بس من غير ما ملامحها تبان و بعدين لاحظت ان الموت زاد قوي في حياتي و حياه المقربين ليا و الكور دي بتتغير واحده ورا التانيه ، خفت اه بس فضولي كان اقوي مني و اخر مره لبستها فيها والدتي ماتت و لقيت العقد قفش علي رقبتي و مش راضي يتخلع او يسمحلي انا او اي حد يقرب منه بعد ما حباته خدت شكل جماجم واضحه ، جربت كل حاجه و فشلت . العقد ده اشتريته من واحده كانت عدت عليا و انا هنا اول مره اجي فيها للمكان ده ، و من ساعتها و انا بدور عليها هنا او بدور علي جرأه تخليني اخلص من وجودي في النيل و انقذ الناس .

- تنقذيهم من ايه ؟
- من الدخول في حياتي 
- ليه ؟
- علشان ميخسروش اهاليهم .
- بس ...

و قبل ان اكمل جملتي رن هاتف المحمول ووجدت اخي يبلغني بوفاه احد اقاربنا مع ابتسامه جانبيه ساخره صغيره باهته كملامحها رغم انها علي مسافه مني تمنعها من سماع ما قاله اخي و لم ارد عليه بكلمات، ناهيك ان المكان عام و الاصوات حولنا تمنع ذلك تلقائياً.

- الحق أهرب بسرعه

فقمت بلا اي كلمات لست أدري أنادماً علي الشهر المهدر من حياتي علي امر مستحيل ام علي وفاه قريبي ام عليها . نقدت النادل تكلفه مشروباتنا و بعد ان سار نظرت لها نظره أخيره فوجدت رأسها محنيه للأمام وشعرها يغطي ملامحها ولكن قطرات سقطت وشت بأنها دموع و لكن بعد ثوان أعتدل رأسها و عاد لتأمل النيل في صمت .



الأحد، 29 سبتمبر 2013

قصص قصيرة جداً 3







يحبها لأنها تشبهه في كل شئ ، انطلاقه ، جنونه ، طموحه حتي ميله للأكتئاب .... و هذا ما أبعدها عنه فهي لم تعد قادره علي تحمل نفسها لتحتمل شبيه لها ... و تعبت من الأنسلاخ عن نفسها وقت ضيقه او حزنه لتخرجه مما فيه .

عرفا معا معني الكوميديا السوداء حين طالت مكالمتهم ليضحكا فيها ضحكا يوجع القلوب


............................................




سألت نفسها : كيف هان عليه كل تلك الذكريات ؟

و مكالاماتهم لبعض طوال اليوم بالساعات ؟

ثم أيقنت بالنهايه ان الامر لديه

لم يكن اكثر من ملء وقت فراغ بالغ الضخامه


..........................................

 



كانت تظن إنها ان قست عليه

سيجف قلبه من حبها و يتركها

لم تدرك أن قلبه لا يراها كما تراه

والرجال لا يتمسكون الا بمعذبينهم


..........................................




يوم ميلاده أهدته هديه تفوق إمكانيتها و لكنها تتناسب مع ذوقه و تمنت أن تعجبه .. سألت نفسها بشوق : هل يوم ميلادي سيهتم كما أهتممت و سيبحث كثير مثلي حتي يجد ما يعجبني ؟ و لكنها أبتسمت ولم تجيب بأي افتراض منها و تركت أجابه السؤال عليه ليومها



و بعد 4 شهور يوم ميلادها كانت هديته ما لم تتوقعه أبدا ... هديته كانت أنه تركها قبل أن يصل معها لهذا اليوم



..........................................





رحلت غير أسفه ، غير نادمه ، باكيه نعم ، حزينه أكيد ، قلبها يتمزق رغم أنها هي التي رحلت . كيف تستمر مع كثير الاعتذارات ، واهي التبريرات ، كاذب بالمئات . كانت تدري انها لن تكمل و انه ليس لها. و ان تلك المغامره المجنونه بقدر ما ستنعش ربيعها و تنشط نبضها ستشيب نهايتها شعرها رغم عز شبابها .

شعرت في الايام الاخيره ان النهايه تقترب و كانت تترقبها و تنتظرها فهي تدري بوجودها و استحاله نفيها .. و انتظرته يعلنها ولكنه تهرب منها و من انهاء الامر و غاب اكثر مما هي تتحمل و هو يدري بالضبط مقدار تحملها .

حذرته باكيه و ترجته ان يعود كما كان لخير حبهم فتحجج بالظروف و المشاكل و الحياه فادركت انه اجبن من ان يعلن النهايه التي قررها في داخله .



..........................................





قال لها : لا تتركيني

فقالـت : لا اقدر

رد قائلا : بل تقديرين

قالـــت : لا .. لا اقدر

فتركها هو و رحل


............................................




يؤرقه سؤال ...
هل فراقهم لأن الله يريد له الخير فلن يجعله يستمر مع من هي علي شاكلته في قبول الخطأ و الشر احيانا و انه يستحق من تحمل بداخلها الخير
أم فراقهم لأن الله يريد لها الخير فلن يجعلها تستمر مع أمثاله من يقبلون الخطأ و الشر أحيانا و انها تستحق من يحمل بداخله الخير ليساعدها عليه


............................................





تتابع أخبارهم، تنتقل بين صورهم، تبحث في بسماتهم عن ذكرياتك،

تفتش في عيونهم عن صورك التي اعتادت تلك العيون ألتقاطها ...

لا تجد سوي أشخاص لم يلتقوك ابدا

لكي يتذكروك يوما


............................................




إنها كالبحر العجيب .. هادئ احيانا، هادر كثيراً.

تتصل بى توبخنى على أشيائى المعتادة حينا 
 وتقرر الانفصال عنى وحدها ..

وتتصل احيانا اخرى تقول اشتقت لك .

تعبت منها فى البداية فقد صدمتنى كثيرا .

مللتها حينها .. ثم عشقتها بهذا التقلب الكاسر لرتابة الحياة .. ولكن

أحيانا اخرى تكون حياتى اصخب وأرهق من أن احتمل هذا الضجيج.


............................................





يشعر بالبرد خلف هذا السور العالي ، يفتقد حضنها الدافئ ، يشعر بالعزله في هذا الصمت ، يفتقد صوتها و هي تحكي او انفاسها و هي تصغي .

ينظر للسور و يدري انها خلفه ، كم يشتاق لها ، كم يرغب في هدمه و لكن كيف يهدمه الأن بعدما شاهدها بصبر تبنيه و ترفعه نحو السماء ، كيف تمكنت بعد هذا الحب ؟ بعد هذا الشوق ؟ وتلك الذكريات و الليالي ؟

كيف و كيف و كيف ؟



وفجأه عرف كيف ، و تذكر ما حدث منذ زمن و ذاكرته كانت تجتهد لتتنساه

عرف ان سبب قوة هذا السور وتماسكه ان الرابط بين احجاره هو دموعها ، و إنه هو من طلب منها أن تبنيه و أعطاها ظهره .



............................................






كانت تسير مسرعه و لكن الحمل الذي علي كتفها كان يعيقها، نظرت لها بجانب عيني و انا اسير بين صديقي و اجتازها و وقلت في سخافه

- ازيك يا عمتي

وجدتها تبتسم بسعاده غريبه غامره و لكني كنت وفقا لسرعتي و انا اسير مع اصدقائي اجتزناها بسرعه و بعدنا كذلك و عادت تسير مطرقه الرأس تعاني مع حملها ... لا أدري ماذا دفعني لأن اقنع اصدقائي ان يجلسا و احاول الكلام معها وربما للملل اقتنعا فوقفت دون ان انظر اليها منتظرها ان تصل الي و يبدو انها كان طريقها فعلا يمر بجانبي فحين مرت بجانبي سرت بجانبها بسرعتها و قلت لها و انا احرص علي ارتفاع صوتي حتي يصل لها لقصر قامتها و نحن سائرين متجاورين في الشارع المزدحم

- ابتسامتك جميله

- بلاش انا .. انت قد اخويا الصغير

- ليه بس .. انا تانيه حقوق

- و انا مخلصه من 3 سنين

- اوبااااا

- الحق اصحابك

و اكملت سائره بنفس الابتسامه الواسعه و التي اتضح انها ابتسامه امومه لصغر سني و كأني لم اكن بجانبها فعدت لأصدقائي المنتظرين و انا اصيح

- طلعت مخلصه من 3 سنين


............................................





هو : مالك يا حبيبتي ؟ مكشره ليه ؟

هي : يعني احنا كنا خلصنا من شيوخ القاصرات علشان يطلعلنا الكتاب ده ؟

هو : شيوخ ايه و كتاب مين مش فاهم ؟

هي : مش عارف شيوخ القاصرات ؟ اللي بيشجعوا جواز البنات من 12 سنه ، قال يعني الكبيره متنفعش و حل العنوسه مش مهم و اللي هممهم عيله عندها 12 سنه يربوها علي ايديهم و ان خستعت تتطلق بعدها بسنه و تاخد عيلها معاها.

هو : طيب دي و فهمناها ، كتاب ايه بقي اللي مضايقك؟

هي : كتاب اسمه برضه هاتجوز تاني بيقنع الرجاله و الستات بالتعدد كحل للعنوسه

هو : يعني انتي لا عجبك لا ده و لا ده ؟

هي : مهو الاتنين صاعبين عليا اوي

هو : طيب روقي بس و متديقيش نفسك

هي : حسك عينك تفكر تتجوز عليا كبيره ولا صغيره

هو : يا شيخه اهمدي ... مش لما اعرف اتجوزك الاول



............................................